محمد بن يزيد المبرد
3
الفاضل
وللعالم سقطات ، وللمّتقى هفوات . وكان ابن عمر « 1 » يقول : إذا ترك العالم قول « لا أدرى » أصيبت مقاتله . وقال علىّ رحمة اللَّه عليه : يا بردها على الكبد من عالم يقول : « لا أدرى » ! وأحسن ما روى في جبلَّة الإنسان الَّتى جبل عليها كلام يروى عن علىّ رحمة اللَّه عليه ، يشبّه بكلام الأنبياء عليهم السلام ، يصدّق ذلك ما روى عنه أنه مسح يده على بطنه ، وقال : كنيف « 2 » ملىء علما ، أما واللَّه لو طرحت لي وسادة لقضيت لأهل التوراة بتوراتهم ، ولأهل الإنجيل بإنجيلهم ، ولأهل القرآن بقرآنهم . وكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه يقول : أنا مدينة العلم وعلىّ بابها . وكان كلامه في فطرة الإنسان كلام من قد عرف ذلك من نفسه ، أو يقرؤه من كفّه : وأعجب ما في الإنسان قلبه ، وله موادّ من الحكمة ، وأضداد من خلافها ، فإن سنح له الرجاء « 3 » أذلَّه الطمع ، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ، وإن ملكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب استبدّ به الغيظ ، وإن أسعد بالرضا نسي « 4 » التحفّظ ، وإن ناله الخوف شغله الحذر ، وإن اتّسع له الأمر استلبته الغرّة « 5 » ، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى ، وإن عارضته فاقة فضحه الجزع ، وإن جهده الجوع
--> « 1 » في البيان 2 : 44 : « عن ابن عباس - وروى عن ابن عمر : من قال عندما لا يدرى لا أدرى فقد أحرز نصف العلم » . ومثله في 1 : 212 « عن ابن عبد العزيز » . « 2 » مصغر : الكنيف بتشديد الياء أو تخفيفها ، وهو معروف من كلام أمير المؤمنين . وفى التاج « كنيف كزبير لقب عبد اللَّه بن مسعود لقبه به عمر رضى اللَّه عنه الخ » . وانظر السهيلي رقم 1 : 3 و « ملىء » من الهامش ، والأصل « حشى » . « 3 » الأصل : « الرخاء » ، مصحفا . « 4 » الأصل « نسىء » . « 5 » [ الغرة : الغفلة وعدم النظر في العواقب ] .